فصل: سورة النمل

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السعدي المسمى بـ «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» **


 سورة النمل

{‏طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏[‏1‏]‏

‏{‏طس‏}‏ سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة‏.‏ هذه آيات القرآن، وهي آيات الكتاب العزيز، بينة المعنى‏,‏ واضحة الدلالة‏,‏ على ما فيه من العلوم والحكم والشرائع‏.‏ فالقرآن هو الكتاب، جمع الله له بين الاسمين‏.‏

{‏هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏2‏]‏

{‏الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏}‏ ‏[‏3‏]‏

وهي آيات ترشد إلى طريق الفوز في الدنيا والآخرة‏,‏ وتبشر بحسن الثواب للمؤمنين الذين صَدَّقوا بها‏,‏ واهتدَوْا بهديها‏,‏ الذين يقيمون الصلوات الخمس كاملة الأركان‏,‏ مسوفية الشروط‏,‏ ويؤدون الزكاة المفروضة لمستحقيها‏,‏ وهم يوقنون بالحياة الآخرة‏,‏ وما فيها مِن ثواب وعقاب‏.‏

{‏إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ‏}‏ ‏[‏4‏]‏

{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ‏}‏ ‏[‏5‏]‏

إن الذين لا يُصَدِّقون بالدار الآخرة‏,‏ ولا يعملون لها حسَّنَّا لهم أعمالهم السيئة‏,‏ فرأوها حسنة‏,‏ فهم يترددون فيها متحيِّرين‏.‏ أولئك الذين لهم العذاب السيِّئ في الدنيا قتلًا وأَسْرَا وذلًا وهزيمةً‏,‏ وهم في الآخرة أشد الناس خسرانًا‏.‏

{‏وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ‏}‏ ‏[‏6‏]‏

وإنك ـ أيها الرسول ـ لتتلقى القرآن من عند الله‏,‏ الحكيم في خلقه وتدبيره الذي أحاط بكل شيء علمًا‏.‏

{‏إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ‏}‏ ‏[‏7‏]‏

اذكر قصة موسى حين قال لأهله في مسيره من ‏"‏مدين‏"‏ إلى ‏"‏مصر‏"‏‏:‏ إني أبصَرْتُ نارًا سآتيكم منها بخبر يدلنا على الطريق‏,‏ أو آتيكم بشعلة نار‏;‏ كي تستدفئوا بها من البرد‏.‏

{‏فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏8‏]‏

{‏يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏[‏9‏]‏

{‏وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ‏}‏ ‏[‏10‏]‏

{‏إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏[‏11‏]‏

{‏وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ‏}‏ ‏[‏12‏]‏

فلما جاء موسى النارَ ناداه الله وأخبره أن هذا مكانٌ قدَّسه الله وباركه فجعله موضعًا لتكليم موسى وإرساله‏,‏ وأن الله بارك مَن في النار ومَن حولها مِنَ الملائكة‏,‏ وتنزيهًا لله رب الخلائق عما لا يليق به‏.‏ يا موسى إنه أنا الله المستحق للعبادة وحدي‏,‏ العزيز الغالب في انتقامي من أعدائي‏,‏ الحكيم في تدبير خلقي‏.‏ وألق عصاك فألقاها فصارت حية‏,‏ فلما رأها تتحرك في خفة تَحَرُّكَ الحية السريعة ولَّى هاربًا ولم يرجع إليها‏,‏ فطمأنه الله بقوله‏:‏ يا موسى لا تَخَفْ‏,‏ إني لا يخاف لديَّ من أرسلتهم برسالتي‏,‏ لكن مَن تجاوز الحدَّ بذنب‏,‏ ثم تاب فبدَّل حُسْن التوبة بعد قبح الذنب‏,‏ فإني غفور له رحيم به‏,‏ فلا ييئس أحدٌ من رحمة الله ومغفرته‏.‏ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء كالثلج من غير بَرَص في جملة تسع معجزات، وهي مع اليد‏:‏ العصا، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم؛ لتأييدك في رسالتك إلى فرعون وقومه‏,‏ إنهم كانوا قومًا خارجين عن أمر الله كافرين به‏.‏

{‏فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ‏}‏ ‏[‏13‏]‏

فلما جاءتهم هذه المعجزات ظاهرة بيِّنة يبصر بها مَن نظر إليها حقيقةَ ما دلت عليه‏,‏ قالوا‏:‏ هذا سحرٌ واضحٌ بيِّن‏.‏

{‏وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ‏}‏ ‏[‏14‏]‏

وكذَّبوا بالمعجزات التسع الواضحة الدلالة على صدق موسى في نبوته وصدق دعوته‏,‏ وأنكروا بألسنتهم أن تكون من عند الله‏,‏ وقد استيقنوها في قلوبهم اعتداءً على الحق وتكبرًا على الاعتراف به‏,‏ فانظر ـ أيها الرسول ـ كيف كان مصير الذين كفروا بآيات الله وأفسدوا في الأرض‏,‏ إذ أغرقهم الله في البحر‏؟‏ وفي ذلك عبرة لمن يعتبر‏.‏

{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏15‏]‏

ولقد آتينا داود وسليمان علمًا فعملا به‏,‏ وقالا‏:‏ الحمد لله الذي فضَّلنا بهذا على كثير من عباده المؤمنين‏.‏ وفي الآية دليل على شرف العلم‏,‏ وارتفاع أهله‏.‏

{‏وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ‏}‏ ‏[‏16‏]‏

وورث سليمان أباه داود في النبوة والعلم والملك‏,‏ وقال سليمان لقومه‏:‏ يا أيها الناس عُلِّمنا وفُهِّمنا كلام الطير‏,‏ وأُعطينا مِن كل شيء تدعو إليه الحاجة‏,‏ إن هذا الذي أعطانا الله تعالى إياه لهو الفضل الواضح الذي يُمَيِّزنا على مَن سوانا‏.‏

{‏وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ‏}‏ ‏[‏17‏]‏

وجُمِع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير في مسيرة لهم‏,‏ فهم على كثرتهم لم يكونوا مهمَلين‏,‏ بل كان على كل جنس من يَرُدُّ أولهم على آخرهم‏;‏ كي يقفوا جميعًا منتظمين‏.‏

{‏حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ‏}‏ ‏[‏18‏]‏

{‏فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏19‏]‏

حتى إذا بلغوا وادي النمل قالت نملة‏:‏ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يهلكنَّكم سليمان وجنوده‏,‏ وهم لا يعلمون بذلك‏.‏ فتبسم ضاحكًا من قول هذه النملة لفهمها واهتدائها إلى تحذير النمل‏,‏ واستشعر نعمة الله عليه‏,‏ فتوجَّه إليه داعيًا‏:‏ ربِّ ألْهِمْني‏,‏ ووفقني‏,‏ أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ‏,‏ وأن أعمل عملًا صالحًا ترضاه مني‏,‏ وأدخلني برحمتك في نعيم جنتك مع عبادك الصالحين الذين ارتضيت أعمالهم‏.‏

{‏وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ‏}‏ ‏[‏20‏]‏

{‏لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏[‏21‏]‏

وتفقد سليمان حال الطير المسخرة له وحال ما غاب منها‏,‏ وكان عنده هدهد متميز معروف فلم يجده‏,‏ فقال‏:‏ ما لي لا أرى الهدهد الذي أعهده‏؟‏ أسَتَره ساتر عني‏,‏ أم أنه كان من الغائبين عني‏,‏ فلم أره لغيبته‏؟‏ فلما ظهر أنه غائب قال‏:‏ لأعذبنَّ هذا الهدهد عذابًا شديدًا لغيابه تأديبًا له‏,‏ أو لأذبحنَّه عقوبة على ما فعل حيث أخل بما سخر له‏,‏ أو ليأتينِّي بحجة ظاهرة‏,‏ فيها عذر لغيبته‏.‏

{‏فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ‏}‏ ‏[‏22‏]‏

فمكث الهدهد زمنًا غير بعيد ثم حضر فعاتبه سليمان على مغيبه وتخلُّفه‏,‏ فقال له الهدهد‏:‏ علمت ما لم تعلمه من الأمر على وجه الإحاطة‏,‏ وجئتك من مدينة ‏"‏سبأ‏"‏ بـ ‏"‏اليمن‏"‏ بخبر خطير الشأن‏,‏ وأنا على يقين منه‏.‏

{‏إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏23‏]‏

إني وجدت امرأةً تحكم أهل ‏"‏سبأ‏"‏‏,‏ وأوتيت من كل شيء من أسباب الدنيا‏,‏ ولها سرير عظيم القدر‏,‏ تجلس عليه لإدارة ملكها‏.‏

{‏وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏24‏]‏

وجدتُها هي وقومها يعبدون الشمس معرضين عن عبادة الله‏,‏ وحسَّن لهم الشيطان أعمالهم السيئة التي كانوا يعملونها‏,‏ فصرفهم عن الإيمان بالله وتوحيده‏,‏ فهم لا يهتدون إلى الله وتوحيده وعبادته وحده‏.‏

{‏أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ‏}‏ ‏[‏25‏]‏

{‏اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏}‏ ‏[‏26‏]‏

حسَّن لهم الشيطان ذلك‏;‏ لئلا يسجدوا لله الذي يُخرج المخبوء المستور في السموات والأرض من المطر والنبات وغير ذلك‏,‏ ويعلم ما تُسرُّون وما تظهرون‏.‏ الله الذي لا معبود يستحق العبادة سواه‏,‏ رب العرش العظيم‏.‏

{‏قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ‏}‏ ‏[‏27‏]‏

{‏اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏[‏28‏]‏

قال سليمان للهدهد‏:‏ سنتأمل فيما جئتنا به من الخبر أصدقت في ذلك أم كنت من الكاذبين فيه‏؟‏ اذهب بكتابي هذا إلى أهل ‏"‏سبأ‏"‏ فأعطهم إياه‏,‏ ثم تنحَّ عنهم قريبًا منهم بحيث تسمع كلامهم‏,‏ فتأمل ما يتردد بينهم من الكلام‏.‏

{‏قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ‏}‏ ‏[‏29‏]‏

ذهب الهدهد وألقى الكتاب إلى الملكة فقرأته‏,‏ فجمعت أشراف قومها‏,‏ وسمعها تقول لهم‏:‏ إني وصل إليَّ كتاب جليل المقدار من شخص عظيم الشأن‏.‏

{‏إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏}‏ ‏[‏30‏]‏

{‏أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏}‏ ‏[‏31‏]‏

ثم بيَّنت ما فيه فقالت‏:‏ إنه من سليمان‏,‏ وإنه مفتتح بـ ‏"‏بسم الله الرحمن الرحيم‏"‏ ألا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه‏,‏ وأقْبِلوا إليَّ منقادين لله بالوحدانية والطاعة مسلمين له‏.‏

{‏قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ‏}‏ ‏[‏32‏]‏

قالت‏:‏ يا أيها الأشراف أشيروا عليَّ في هذا الأمر‏,‏ ما كنت لأفصل في أمر إلا بمحضركم ومشورتكم‏.‏

{‏قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ‏}‏ ‏[‏33‏]‏

قالوا مجيبين لها‏:‏ نحن أصحاب قوة في العدد والعُدَّة وأصحاب النجدة والشجاعة في شدة الحرب‏,‏ والأمر موكول إليكِ‏,‏ وأنتِ صاحبة الرأي‏,‏ فتأملي ماذا تأمريننا به‏؟‏ فنحن سامعون لأمرك مطيعون لك‏.‏

{‏قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ‏}‏ ‏[‏34‏]‏

{‏وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ‏}‏ ‏[‏35‏]‏

قالت محذرةً لهم من مواجهة سليمان بالعداوة‏,‏ ومبيِّنة لهم سوء مغبَّة القتال‏:‏ إن الملوك إذا دخلوا بجيوشهم قريةً عنوةً وقهرًا خرَّبوها وصيَّروا أعزَّة أهلها أذلة‏,‏ وقتلوا وأسروا‏,‏ وهذه عادتهم المستمرة الثابتة لحمل الناس على أن يهابوهم‏.‏ وإني مرسلة إلى سليمان وقومه بهديَّة مشتملة على نفائس الأموال أصانعه بها‏,‏ ومنتظرة ما يرجع به الرسل‏.‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ‏}‏ ‏[‏36‏]‏

فلمَّا جاء رسول الملكة بالهديَّة إلى سليمان‏,‏ قال مستنكرًا ذلك متحدثًا بأَنْعُمِ الله عليه‏:‏ أتمدونني بمالٍ تَرْضيةً لي‏؟‏ فما أعطاني الله من النبوة والملك والأموال الكثيرة خير وأفضل مما أعطاكم، بل أنتم الذين تفرحون بالهدية التي تُهدى إليكم‏;‏ لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا ومكاثرة بها‏.‏

{‏ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ‏}‏ ‏[‏37‏]‏

وقال سليمان عليه السلام لرسول أهل ‏"‏سبأ‏"‏‏:‏ ارجع إليهم‏,‏ فوالله لنأتينَّهم بجنود لا طاقة لهم بمقاومتها ومقابلتها‏,‏ ولنخرجنَّهم مِن أرضهم أذلة‏,‏هم صاغرون مهانون‏,‏ إن لم ينقادوا لدين الله وحده‏,‏ ويتركوا عبادة من سواه‏.‏

{‏قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏}‏ ‏[‏38‏]‏

قال سليمان مخاطبًا من سَخَّرهم الله له من الجن والإنس‏:‏ أيُّكم يأتيني بسرير ملكها العظيم قبل أن يأتوني منقادين طائعين‏؟‏

{‏قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ‏}‏ ‏[‏39‏]‏

قال مارد قويُّ شديد من الجن‏:‏ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك هذا‏,‏ وإني لقويٌّ على حَمْله‏,‏ أمين على ما فيه‏,‏ آتي به كما هو لا أُنقِص منه شيئًا ولا أبدله‏.‏

{‏قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ‏}‏ ‏[‏40‏]‏

قال الذي عنده علم من الكتاب‏:‏ أنا آتيك بهذا العرش قبل ارتداد أجفانك إذا تحرَّكَتْ للنظر في شيء‏.‏ فأذن له سليمان فدعا الله‏,‏ فأتى بالعرش‏.‏ فلما رآه سليمان حاضرًا لديه ثابتًا عنده قال‏:‏ هذا مِن فضل ربي الذي خلقني وخلق الكون كله؛ ليختبرني‏:‏ أأشكر بذلك اعترافًا بنعمته تعالى عليَّ أم أكفر بترك الشكر‏؟‏ ومن شكر لله على نعمه فإنَّ نَفْعَ ذلك يرجع إليه‏,‏ ومن جحد النعمة وترك الشكر فإن ربي غني عن شكره‏,‏ كريم يعم بخيره في الدنيا الشاكر والكافر‏,‏ ثم يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة‏.‏

{‏قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏41‏]‏

قال سليمان لمن عنده‏:‏ غيِّروا سرير ملكها الذي تجلس عليه إلى حال تنكره إذا رأته‏;‏ لنرى أتهتدي إلى معرفته أم تكون من الذين لا يهتدون‏؟‏

{‏فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ‏}‏ ‏[‏42‏]‏

فلما جاءت ملكة ‏"‏سبأ‏"‏ إلى سليمان في مجلسه قيل لها‏:‏ أهكذا عرشك‏؟‏ قالت‏:‏ إنه يشبهه‏.‏ فظهر لسليمان أنها أصابت في جوابها‏,‏ وقد علمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان عليه السلام‏,‏ فقال‏:‏ وأوتينا العلم بالله وبقدرته مِن قبلها‏,‏ وكنا منقادين لأمر الله متبعين لدين الاسلام‏.‏

{‏وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏43‏]‏

ومَنَعَها عن عبادة الله وحده ما كانت تعبده مِن دون الله تعالى‏,‏ إنها كانت كافرة ونشأت بين قوم كافرين‏,‏ واستمرت على دينهم‏,‏ وإلا فلها من الذكاء والفطنة ما تعرف به الحق من الباطل‏,‏ ولكن العقائد الباطلة تُذهب بصيرة القلب‏.‏

{‏قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏44‏]‏

قيل لها‏:‏ ادخلي القصر‏,‏ وكان صحنه مِن زجاج تحته ماء‏,‏ فلما رأته ظنته ماء تتردد أمواجه‏,‏ وكشفت عن ساقيها لتخوض الماء‏,‏ فقال لها سليمان‏:‏ إنه صحن أملس من زجاج صاف والماء تحته‏.‏ فأدركت عظمة ملك سليمان‏,‏ وقالت‏:‏ رب إني ظلمت نفسي بما كنت عليه من الشرك‏,‏ وانقدت متابعة لسليمان داخلة في دين رب العالمين أجمعين‏.‏

{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ‏}‏ ‏[‏45‏]‏

ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا‏:‏ أن وحِّدوا الله‏,‏ ولا تجعلوا معه إلهًا آخر‏,‏ فلما أتاهم صالحٌ داعيًا إلى توحيد الله وعبادته وحده صار قومه فريقين‏:‏ أحدهما مؤمن به‏,‏ والآخر كافر بدعوته‏,‏ وكل منهم يزعم أن الحق معه‏.‏

{‏قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏}‏ ‏[‏46‏]‏

قال صالح للفريق الكافر‏:‏ لِمَ تبادرون الكفر وعمل السيئات الذي يجلب لكم العذاب‏,‏ وتؤخرون الإيمان وفِعْل الحسنات الذي يجلب لكم الثواب‏؟‏ هلا تطلبون المغفرة من الله ابتداء‏,‏ وتتوبون إليه؛ رجاء أن ترحموا‏.‏

{‏قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ‏}‏ ‏[‏47‏]‏

قال قوم صالح له‏:‏ تَشاءَمْنا بك وبمن معك ممن دخل في دينك‏,‏ قال لهم صالح‏:‏ ما أصابكم الله مِن خير أو شر فهو مقدِّره عليكم ومجازيكم به‏,‏ بل أنتم قوم تُخْتَبرون بالسراء والضراء والخير والشر‏.‏

{‏وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ‏}‏ ‏[‏48‏]‏

وكان في مدينة صالح ـ وهي ‏"‏الحِجْر‏"‏ الواقعة في شمال غرب جزيرة العرب ـ تسعة رجال‏,‏ شأنهم الإفساد في الأرض‏,‏ الذي لا يخالطه شيء من الصلاح‏.‏

{‏قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ‏}‏ ‏[‏49‏]‏

قال هؤلاء التسعة بعضهم لبعض‏:‏ تقاسموا بالله بأن يحلف كل واحد للآخرين‏:‏ لنأتينَّ صالحًا بغتة في الليل فنقتله ونقتل أهله‏,‏ ثم لنقولَنَّ لوليِّ الدم مِن قرابته‏:‏ ما حضرنا قتلهم‏,‏ وإنا لصادقون فيما قلناه‏.‏

{‏وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ‏}‏ ‏[‏50‏]‏

ودبَّروا هذه الحيلة لإهلاك صالح وأهله مكرًا منهم‏,‏ فنصرنا نبينا صالحًا عليه السلام‏,‏ وأخذناهم بالعقوبة على غِرَّة‏,‏ وهم لا يتوقعون كيدنا لهم جزاءً على كيدهم‏.‏

{‏فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏51‏]‏

فانظر ـ أيها الرسول ـ نظرة اعتبار إلى عاقبة غَدْر هؤلاء الرهط بنبيهم صالح‏؟‏ أنا أهلكناهم وقومهم أجمعين‏.‏

{‏فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏52‏]‏

فتلك مساكنهم خالية ليس فيها منهم أحد‏,‏ أهلكهم الله‏;‏ بسبب ظلمهم لأنفسهم بالشرك‏,‏ وتكذيب نبيهم‏.‏ إن في ذلك التدمير والإهلاك لَعظة لقوم يعلمون ما فعلناه بهم‏,‏ وهذه سنتنا فيمن يكذب المرسلين‏.‏